يُمثل أرسطو علامة فارقة في تاريخ الفكر الإنساني، لا لغزارة إنتاجه العلمي، بل لأنه ساهم في ظهور نظريات وعلوم حديثة ما زلنا ندرسها، ويُنسب إليه الفضل في تأسيسها إلى الآن؛ فهو مؤسس علم المنطق، وعلم الأحياء، وأول من درس السياسة كعلم منفصل قائم على الملاحظة والتحليل. وبتخصيص الحديث عن "السياسة عند أرسطو"، نجد أن الكثير من آرائه حول الدولة والمواطنة والتربية، جاءت متأثرة بالظروف التاريخية المعقدة التي عاش فيها، وعمّقت نشأته المزدوجة بين مقدونيا وأثينا تلك الآراء.
يظهر أرسطو أحيانًا بمظهر النخبوي ا…
Read moreيُمثل أرسطو علامة فارقة في تاريخ الفكر الإنساني، لا لغزارة إنتاجه العلمي، بل لأنه ساهم في ظهور نظريات وعلوم حديثة ما زلنا ندرسها، ويُنسب إليه الفضل في تأسيسها إلى الآن؛ فهو مؤسس علم المنطق، وعلم الأحياء، وأول من درس السياسة كعلم منفصل قائم على الملاحظة والتحليل. وبتخصيص الحديث عن "السياسة عند أرسطو"، نجد أن الكثير من آرائه حول الدولة والمواطنة والتربية، جاءت متأثرة بالظروف التاريخية المعقدة التي عاش فيها، وعمّقت نشأته المزدوجة بين مقدونيا وأثينا تلك الآراء.
يظهر أرسطو أحيانًا بمظهر النخبوي المتأثر بالبلاط المقدوني، المُحتقِر للأعمال اليدوية، وجاء هذا التأثر نتيجة لعمل والده "نيقوماخوس" كطبيب شخصي للملك "أمينتاس الثالث"، فاحتك أرسطو بالطبقة الأرستقراطية منذ صغره مما أثر عليه فكرًا وسلوكًا، ولكن دراسته في أثينا لمدة عشرين عامًا جعلته يستلهم أفكارًا تقدمية بالمقارنة مع مقدونيا؛ كفكرة أن قوة الدستور أقوى من قوة الحاكم، وأن المشاركة في السلطة قد تكون أفضل من حكم الفرد. وبشكلٍ عام، استفاد الكثير من فلاسفة العصر الحديث مثل مونتسكيو، وآدم سميث، وكارل ماركس، ونيتشه، من آرائه السياسية والاقتصادية، واعتبروها عبقرية بالنسبة لعصره.
ينطلق الكتيّب أولًا من رسم الإطار التاريخي لأرسطو من خلال التعرف على ظروف نشأته، وعلاقته بالإسكندر الأكبر، ومؤلفاته، ثم ينتقل إلى تناول طبيعة الدولة عنده، وتصوره للإنسان على أنه "حيوان سياسي". وتتفرع من تلك النظرة آراؤه الجدلية حول العبودية التي وضعها في نظرية الرق الطبيعي، ثم يعرض بحثه للوسائل الطبيعية وغير الطبيعية للثروة، وبعدها يتناول تحليل أرسطو لأنواع الدساتير وتحديده لمفهوم المواطنة، وبحثه عن أسباب الثورات، وسبل حفظ الدول من السقوط، وأخيرًا ينتهي بآراء أرسطو حول دور التربية في السياسة.